إعادة التفكير في الاستدامة من خلال التراث الإسلامي

يرى السفير فهد العطية أن الاستدامة ليست مفهوماً حديثاً جرى استيراده إلى منطقة الخليج استجابةً لتغير المناخ، بل إن جذورها، بحسب رأيه، راسخة بعمق في التصور الإسلامي لعلاقة الإنسان بالأرض ومسؤوليته تجاهها.

وشكّلت هذه الفكرة محور حوار استضافته جامعة جورجتاون في قطر مع العطية، مؤسس مزرعة «حينة سالمة» الممتدة على مساحة 50 فداناً، وهي مشروع يطبق مبادئ مستمدة من التراث الإسلامي في مجالات الزراعة والعمارة والحرف اليدوية واستخدام الموارد الطبيعية.

وافتتح عميد الجامعة بالإنابة كلايد ويلكوكس الفعالية، أعقبه حوار أداره باتريك لاود، أستاذ علم الأديان في جامعة جورجتاون في قطر. وحضر الفعالية نحو 150 شخصاً، من بينهم سفراء ألبانيا واليابان والفلبين وليبيريا.

وتناول العطية مفهوم الاستدامة انطلاقاً من سؤال جوهري: ما مكانة الإنسان في هذا العالم، وما المسؤوليات التي تترتب على هذه المكانة؟

فمن وجهة نظره، ليست الأرض مجرد مجموعة من الموارد المتاحة للاستغلال بلا حدود، بل هي أمانة في يد الإنسان، وتحمل هذه الأمانة معها مسؤولية أخلاقية تتعلق بكيفية استخدام الأرض والمياه والغذاء والمباني وسائر الموارد.

وانطلاقاً من هذا التصور، وجّه العطية نقداً لبعض الافتراضات المرتبطة بالحداثة. وتساءل عن فكرة «تحرر» الإنسان من خلال إحكام سيطرته على الطبيعة، مشيراً إلى أنه عندما تصبح السرعة والكفاءة معيارين للتقدم في حد ذاتهما، فلا بد من طرح سؤال آخر: «ولكن بأي ثمن؟»

«لقد تضاعفت مستويات تركيز ثاني أكسيد الكربون تقريباً خلال المئة عام الماضية. ولم تنشئ أي حضارة في التاريخ، في ظل ما يمكن تسميته بـ”العالم الميتافيزيقي”، قدرة على تدمير الأرض سبع مرات كما فعلت العقلية الحديثة، ومع ذلك ما زلنا نحتفي بها ونسميها تقدماً. هل تريد أن تصعد إلى سفينة تايتانيك وأنت تعلم أنها ستغرق؟ أفضل أن أكون في قارب صغير.»

السفير فهد العطية

وأوضح أن «حينة سالمة» ليست مجرد مشروع بيئي أو تجربة في الزراعة المستدامة، بل هي محاولة لاستكشاف الكيفية التي يمكن من خلالها للمبادئ الموروثة من الحضارة الإسلامية أن تسهم في تشكيل الحياة المعاصرة، من دون أن يعني ذلك الانسحاب من الحداثة.

وأشار إلى أن قطر توفر بيئة كاشفة لهذه التجربة، فهي دولة غنية بالطاقة، لكنها محدودة الموارد المائية، وتملك مساحات من الأراضي مع عدد سكان صغير نسبياً. وتطرح هذه الظروف أسئلة مهمة حول استخدام الموارد والتنمية المستدامة.

وتسعى المزرعة إلى تقديم إجابات عملية من خلال أربعة مجالات مترابطة: الزراعة العضوية، والحرف التقليدية والإنتاج اليدوي، والعمارة القائمة على استخدام المواد الملائمة للبيئة المحلية، وتوظيف المعرفة في مواجهة تحديات مثل تدهور التربة والحفاظ على المياه.

ويقف وراء هذه الأنشطة طموح أوسع يتمثل في استعادة أشكال من الحكمة الإنسانية التي يرى العطية أن أنظمة الإنتاج والبناء الحديثة قد همّشتها.

ومن هذا المنظور، لا تعني الاستدامة مجرد تقليل الاستهلاك أو إدخال تقنيات أكثر مراعاة للبيئة، بل تشمل أيضاً استعادة المعرفة المتعلقة بكيفية تكيف المجتمعات السابقة مع بيئاتها: كيف شيدت مبانيها بما يتلاءم مع المناخ، وإدارة الموارد النادرة، وأنتجت الغذاء، وأنشأت مجتمعاتها ضمن الحدود التي تفرضها البيئة.

وبرزت العلاقة بين التراث والاستدامة بصورة خاصة عندما سُئل العطية عن موقع التراث القطري داخل مشروع «حينة سالمة».

وفرّق العطية بين مفهوم التراث بوصفه تعبيراً أساسياً عن الهوية الثقافية الوطنية، وبين التراث باعتباره جزءاً من تقليد فكري وأخلاقي إسلامي أوسع. ورأى أنه إذا ظل التراث الإسلامي مصدراً تأسيسياً، فإن «حينة سالمة» يمكن أن تسهم في إحياء المعارف الموروثة وتكييفها مع ظروف العصر.

وقال إن الهدف ليس الحفاظ على الممارسات التقليدية بوصفها قطعاً متحفية، بل إحياؤها وتطويرها وتطبيقها من جديد.

ولتوضيح هذه الفكرة، أشار العطية إلى مدينة البندقية، وطلب من الحضور تخيل إعادة تصميمها وبنائها من الصفر في وقتنا الحاضر. وتساءل: هل يمكن لأساليب البناء الحديثة أن تعيد إنتاج الخصائص التي نشأت بصورة عضوية على مدى قرون، أم أن المواد الحديثة والسعي إلى الكفاءة والتخطيط المعياري ستنتج شيئاً مختلفاً تماماً؟

وعكس هذا المثال موضوعاً تكرر خلال النقاش: ما الذي نفقده عندما يُقاس التقدم أساساً بالسرعة والكفاءة والقدرة التكنولوجية؟

ويرى العطية أن التراث الإسلامي يقدم نقطة انطلاق مختلفة، تضع الإنسان داخل النظام الطبيعي لا فوقه، وتربط قدرته على تغيير الأرض بمسؤوليته عن حمايتها.

وتمثل «حينة سالمة» محاولة لترجمة هذا المبدأ إلى ممارسة عملية، واستكشاف ما إذا كانت المعارف الأخلاقية والبيئية الكامنة في التراث الإسلامي قادرة على الإسهام في صياغة نموذج أكثر استدامة للحياة المعاصرة.


Read More